ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

110

الوشى المرقوم في حل المنظوم

يقول : « فانظر إلى كلامي في هذا الفصل ، وإلى هذين البيتين ، وتأمل إن كنت متأملا . واحكم بينهما إن كنت حاكما . فإذا فعلت ذلك أذعنت لي تسليما وعلمت أن فوق كل ذي علم عليما « 1 » . وقوله : « فانظر إلى هذا الفصل من الكلام المنثور ، وإلى هذين البيتين من الشعر ، وأعط ذلك حق النظر حتى تعلم ما في هذا الكلام المنثور من الزيادة معنى ولفظا « 2 » . فابن الأثير لا يفتأ ينتصر للنثر على الشعر ، كلما سنحت له فرصة في ثنايا كتابه ، لأن المنثور « أشرف من المنظوم لأسباب من جملتها أن الإعجاز لم يتصل بالمنظوم وإنما اتصل بالمنثور » « 3 » ، مؤكدا علو قامته ، خاصة إذا ما وقع له اختيار نموذج عالي البلاغة من أحد كتبه . فهو في هذه اللحظة كمن عثر على كنز يفاخر به ، وبأنه حاز قصب السبق دون غيره في اقتناص المعاني المنثورة . والمقارنة بين النثر والنظم ، وقد سبقه كثيرون في إثارة هذه القضية ؛ فنجد إرهاصات لها في ما كتبه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ( 150 - 255 ه ) في كتابه المسمى ب « الحيوان » . فالجاحظ يقارن بين النثر والنظم ، يقول : « ولأن الحكمة أنفع لمن ورثها ، من جهة الانتفاع بها ، وأحسن في الأحدوثة لمن أحب الذكر الجميل » « 4 » . منتهيا إلى أن « الكتب أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر ، لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم ، وأن يميتوا ذكر أعدائهم » « 5 » . ويزيد الجاحظ هذا الرأي وضوحا حينما يقول : « وأما الشعر فحديث الميلاد ، صغير السن ، أول من نهج سبيله ، وسهّل الطريق إليه ، امرؤ القيس بن حجر ، ومهلهل بن ربيعة ، وكتب أرسطاطاليس ، ومعلمه أفلاطون . . . فإذا استظهرنا

--> ( 1 ) انظر ص 332 . ( 2 ) انظر ص 258 . ( 3 ) المثل السائر / 2 / 393 وما بعدها . ( 4 ) الحيوان 1 / 73 . للجاحظ ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة 2002 . ( 5 ) السابق الصفحة نفسها .